السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
445
مفاتيح الأصول
الإمام عليه السلام ردع الأمة على الخطاء في الحكم إن اتفقوا عليه وتمكن من الردع كما حكي عن الشيخ فيدلّ ذلك على صدق مضمون الخبر وإن وجب عليه أيضا ردع الأمة عن الخطاء في الاستدلال مطلقا ولو لم ينحصر دليل الحكم فيما اتفقوا على الاستدلال به فيدل ذلك على صحة الصدور وإن منع من وجوب الأمرين أو احتمل وجود المانع من الردع عنهما فالاتفاق المفروض لا يدل على شيء من الأمرين وإن اختص الوجوب وعدم المانع بأحدهما دل عليه دون الآخر هذا كلَّه بالنظر إلى لحاظ العقل وأما بالنظر إلى العادة فلا يبعد دعوى حصول العلم بالأمرين غالبا من ذلك وإذا حكم من عدا الإمام عليه السلام من الأمة بمضمون خبر فهو بنفسه لا يدل على صدق صدوره لا علما ولا ظنا إلا إذا ظهر من أمر آخر أن الوجه في حكمهم بذلك هو ذلك الخبر فحينئذ قد يحكم بأحد الأمرين واعلم أنه حكى في العدة عن السيّد رحمه الله أنه قال وأمّا الخبر إذا ظهر بين الطائفة المحقة وعمل به أكثرهم وأنكروا على من لم يعمل به فإن كان الَّذي لم يعمل به علم أنه إمام أو الإمام داخل في جملتهم علم أن الخبر باطل وإن علم أنه ليس بإمام ولا هو داخل معهم علم أن الخبر صحيح لأن الإمام عليه السلام داخل في الفرقة التي عملت بالخبر انتهى وهو جيّد وخامسها الخبر المذكور في مجلس النبي صلى الله عليه وآله إذا لم ينكره وقد اختلف كلمات القوم في هذا الباب على أقوال الأول أنه صدق مطلقا من غير تفصيل وهو للمحكي عن قوم في الذريعة وعن بعض الناس في النهاية وهو ضعيف جدا مخالف لما عليه معظم الأصوليين ظاهرا الثاني ما ذكره في الذريعة من التفصيل فقال فأما إلحاق قوم بهذا الباب خبر المخبر بحضرة النّبي صلى الله عليه وآله عن شيء فلم ينكره عليه فإنه يجب أن يكون صدقا فالواجب أن يقسم هذا الموضع قسمين فنقول إن كان هذا المخبر ادعى على النبي صلى الله عليه وآله المشاهدة لما أخبر عنه فلم ينكر عليه فهو دليل على صدقه وإن كان أطلق الخبر إطلاقا ولم يدع عليه شيئا فإنه لا يكون إمساكه عن النكير عليه دلالة على صدقه وإنما قلنا ذلك لأنه لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله إنكار ما لا يعلمه منكرا وإذا أخبر الواحد بحضرته عما لا يعلمه فهو مجوز في خبره الصدق والكذب وقد أشار إلى هذا التفصيل في المعارج أيضا فقال في مقام ذكر الأخبار المعلومة منها ما ذكر بحضرة الرسول صلى الله عليه وآله بمسمع منه صلى الله عليه وآله ولم يكن غافلا فلم ينكره انتهى وفيه نظر فإن مشاهدته صلى الله عليه وآله لا يدلّ على صدق ذلك الخبر لاحتمال أن يكون كذبا في الواقع ولكن لا يعلم صلى الله عليه وآله بكونه كذبا كما إذا تضمن ذلك الخبر الإخبار عن أمر دنيوي كموت شخص أو حياته أو ارتكابه لفسق أو كفر سلمنا أنه يعلم بكل أمر دنيوي ولكن لا يجب عليه صلى الله عليه وآله العمل بذلك العلم حيث لم يستند إلى الأمور العادية ولذا كان صلى الله عليه وآله يطلب الشهادة ويعمل بالأسباب الشرعية في الموضوعات الصرفة المشتبهة سلمنا أنه صلى الله عليه وآله يعلم بكل أمر دنيوي ويعمل بعمله صلى الله عليه وآله مطلقا ولكن يحتمل وجود مانع من إظهار الإنكار من خوف أو تقية إذ لا دليل مطلقا على أنه لم يجز له ( صلى الله عليه وآله التقية حتى في أوائل الإسلام ومبادي الأمر وهذا يجري أيضا فيما إذا تضمن الخبر بيان حكم شرعي أصلي أو فرعي وبالجملة مجرّد مشاهدته وسكوته عن الإنكار في ذلك لا يقتضي صدق ذلك الخبر لما ذكرناه من الاحتمال ولاحتمال أن يكون أخر الإنكار لكونه جائز التأخير نعم إذا شاهد ووجب عليه الإنكار فورا وتمكن منه ولم يكن هناك مانع منه وكان بحيث إذا سكت مع فرض كذب الخبر تاركا للواجب يلزم حينئذ الحكم بصدق ذلك الخبر الرابع ما ذكره في النهاية من التفصيل فقال قال بعض النّاس إذا أخبر واحد بحضرة الرسول صلى الله عليه وآله عن شيء ولم ينكر عليه دل على صدقه والحق التفصيل وهو أن الخبر إن كان عن ديني اشترط في الدلالة على الصدق أمران أن لا يتقدم بيان ذلك وأن يجوز تغير الحكم عمّا بيّنه أولا لأن بيان الحكم لو تقدم وأمنا عدم تغيّره كان فيما سبق من البيان ما يغني عن استئناف البيان ولهذا لا يجب عليه تجديد الإنكار على الكفار في ترددهم إلى كتابتهم وإن كان عن دنيوي فسكوته إنما يدل على الصدق بشرطين أن يستشهد بالنبي صلى الله عليه وآله ويدعي عليه علم بالمخبر عنه وأن يعلم الحاضرون على النّبي صلى الله عليه وآله بتلك القضية ففي هذين يجب صدق المخبر لأن سكوته صلى الله عليه وآله يوهم التصديق فلو كان المخبر كاذبا لزم ضد التلبس عنه صلى الله عليه وآله وهو محال انتهى وفي كلام بعض العامة قال في المحصول إذا أخبر شخص عن أمر بحضرة الرّسول صلى الله عليه وآله ولم ينكره فقال بعضهم يكون تصديقا له مطلقا والحق أنه يكون تصديقا إن كان في أمر ديني لم يتقدم بيانه وكأنه مما يجوز نسخه وكذلك إن كان في أمر دنيوي وعلمنا أنه عليه السلام علم بذلك أو ادعى المخبر علمه به مع استشهاده به انتهى وفيه نظر والتحقيق أن مجرد ترك الإنكار من الرسول صلى الله عليه وآله مع علمه صلى الله عليه وآله بالخبر المذكور في مجلسه الشريف لا يدل على صدقه لفقد الأدلَّة العقلية والنقلية والعادية عليه نعم إذا كان ترك الإنكار منه صلى الله عليه وآله قبيحا مع فرض كذب الخبر كما في ترك الأمر بالمعروف مع اجتماع شرائط وجوبه فسكوته صلى الله عليه وآله وعدم إنكاره حينئذ يدل على صدق الخبر وقد يستفاد من العادة الصدق أيضا فليس كل سكوت منه صلى الله عليه وآله دليلا على الصدق بل قد يدلّ عليه وذلك بملاحظة الاعتبارات الخارجية من العقل والعادة كما لا يخفى وسادسها ما ذكره في النهاية فقال في مقام ذكر الأخبار المعلومة الصدق الخامس بقاء النقل مع توفر الدّواعي على إبطاله يدل على الصّحة كخبر الغدير والمنزلة فإن نقلهما سلم في زمان بني أمية مع توفر دواعيهم على إبطالهما اعترض احتمال أنه كان من أخبار الآحاد ثم اشتهر بحيث عجز العدوّ على إخفائه لأن الصارف من بني أمية وإن حصل لكن الداعي من جهة الشيعة حصل ولأن منع الناس عن إفشاء فضيلة تحرصهم على شدّة إظهارها وليس بجيّد لأن العادة تقضي بضرورة التواتر مع الخوف آحادا دون العكس والشيعة كانوا خائفين في الغاية فكيف يحصل بسببهم داع انتهى وحكى بعض العامة عن بعض الزيدية بقاء النقل مع توفر الدّواعي على إبطاله يدلّ على القطع بصحته وما قالوه ليس